تم حل اللغز الكوني الذي دام عقودًا
على مدى أكثر من 50 عامًا، ظل علماء الفلك في حيرة من أمرهم بسبب جاما ذات الكرسي (Gam Cas)، وهو نجم يمكن رؤيته بالعين المجردة ويصدر أشعة سينية قوية لسبب غير مفهوم تتجاوز بكثير ما يوحي به تصنيفه النجمي. هذا اللغز السماوي، وهو نجم أزرق-أبيض لامع في كوكبة ذات الكرسي، أبقى الباحثين في حالة تخمين لمدة نصف قرن، متحديًا التفسيرات التقليدية لإشعاعه غير العادي.
الآن، بفضل القدرات المتطورة للتلسكوب الفضائي الياباني للتصوير بالأشعة السينية والتحليل الطيفي (XRISM)، تم أخيرًا كشف اللغز الذي طال أمده. حدد العلماء مصدر الأشعة السينية المتطرفة لـ Gam Cas: نجم مرافق قزم أبيض كان مخفيًا سابقًا، يسحب المواد من شريكه الأكبر عن طريق الجاذبية ويولد حرارة هائلة في هذه العملية. هذا الاكتشاف الرائد لا يحل واحدة من ألغاز علم الفلك الأكثر ديمومة فحسب، بل يوفر أيضًا أول تأكيد رصدي لنوع معين من نظام النجوم الثنائية الذي تنبأ به المنظرون منذ فترة طويلة.
التوهج الغامض لجاما ذات الكرسي
إن جاما ذات الكرسي هي نجم مشهور، يمكن التعرف عليه بسهولة باعتباره النجم المركزي في الشكل "W" المميز لكوكبة ذات الكرسي. باعتباره نجمًا من النوع B، فهو معروف بدورانه السريع وطرد المواد التي تشكل قرصًا غازيًا حول خط الاستواء. ومع ذلك، كانت انبعاثات الأشعة السينية دائمًا أمرًا شاذًا. على عكس النجوم النموذجية من النوع B، والتي تنتج أشعة سينية خافتة نسبيًا من الرياح الساخنة، كان ناتج الأشعة السينية لـ Gam Cas أقوى بمئات، إن لم يكن آلاف المرات، ومتغير للغاية، وفي بعض الأحيان يتوهج بشكل كبير.
أدى هذا السلوك المتطرف للأشعة السينية إلى العديد من النظريات على مر العقود، بدءًا من النشاط المغناطيسي إلى التفاعلات مع جسم مضغوط افتراضي. ومع ذلك، لم يفسر أي منها بشكل كامل الناتج المتسق عالي الطاقة. ويكمن التحدي في الدقة المطلوبة للتمييز بين مختلف المصادر المحتملة ومراقبة التوقيعات الدقيقة التي من شأنها أن تكشف عن الجاني الحقيقي.
دقة XRISM تكشف السر
جاء الاختراق مع XRISM، وهي مهمة تعاونية بين JAXA (وكالة استكشاف الفضاء اليابانية) ووكالة ناسا، تم إطلاقها في سبتمبر 2023. تم تصميم XRISM للتحليل الطيفي للأشعة السينية عالي الدقة، وهو قادر على قياس طاقة الأشعة السينية. الأشعة السينية بدقة غير مسبوقة، مما يسمح لعلماء الفلك باستنتاج الظروف الفيزيائية لمصدر الانبعاث.
من خلال مراقبة جاما كاسيوبيا، اكتشف جهاز حل XRISM خطوطًا طيفية محددة في انبعاثات الأشعة السينية التي تميز المواد الساخنة جدًا والمتراكمة. وكشفت البيانات أن درجات الحرارة تصل إلى ملايين الدرجات المئوية، وهو ما يتوافق مع ارتفاع درجة حرارة الغاز عند سقوطه على جسم مضغوط وكثيف. قدمت هذه الملاحظات الدقيقة الدليل القاطع: لم تكن الأشعة السينية قادمة من غام كاس نفسه، بل من رفيق أصغر بكثير وغير مرئي.
الكشف عن رفيق القزم الأبيض
الرفيق الذي تم تحديده حديثًا هو قزم أبيض - البقايا الكثيفة والساخنة لنجم استنفد وقوده النووي. في هذا النظام الثنائي، لا يدور القزم الأبيض فقط حول جاما ذات الكرسي؛ إنها تقوم بسحب المواد بشكل نشط من شريكها الأكبر الذي يدور بسرعة. تتضمن هذه العملية، المعروفة باسم التراكم، سحب الغاز من الرياح النجمية لـ Gam Cas أو قرصه الاستوائي بواسطة الجاذبية الشديدة للقزم الأبيض.
وعندما يتدفق هذا الغاز نحو الداخل نحو القزم الأبيض، فإنه يشكل قرصًا متراكمًا، حيث تعمل قوى الاحتكاك والجاذبية على تسخين المادة إلى درجات حرارة شديدة. إن هذا الغاز شديد السخونة، الذي يصطدم بسطح القزم الأبيض، هو الذي يولد الأشعة السينية القوية والمتغيرة التي تم رصدها لمدة نصف قرن. يعزز هذا الاكتشاف النموذج النظري حيث يتفاعل نجم من النوع B مع قزم أبيض بطريقة محددة لإنتاج هذه الانبعاثات النشطة، وهو نموذج كان يفتقر في السابق إلى دليل رصد مباشر.
الآثار الأوسع على تطور النجوم
إن حل لغز جاما ذات الكرسي هو أكثر من مجرد إغلاق ملف حالة قديم؛ وله آثار مهمة على فهمنا لتطور النجوم الثنائية والفيزياء الفلكية عالية الطاقة. إن تأكيد هذا النوع المحدد من النظام الثنائي التفاعلي يفتح آفاقًا جديدة لدراسة كيفية تطور النجوم على مقربة شديدة وكيف يمكن للأجسام المدمجة، مثل الأقزام البيضاء، أن تؤثر بشكل كبير على رفاقها.
علاوة على ذلك، يسلط هذا النجاح الضوء على الدور الذي لا غنى عنه لتلسكوبات الأشعة السينية المتقدمة مثل XRISM في استكشاف الظواهر الأكثر نشاطًا في الكون. وبفضل قدرته على تشريح أطياف الأشعة السينية، فإن XRISM مستعد لكشف أسرار كونية أخرى، بدءًا من الثقوب السوداء التي تلتهم المادة إلى الغاز الساخن داخل مجموعات المجرات، مما يوفر نظرة أعمق للفيزياء المتطرفة التي تحكم الكون.






