ظل الصراع: صدمة النفط العالمية تضرب أفريقيا
نيروبي ــ كان الصراع المحتدم في الخليج الفارسي، والذي تصاعد بشكل حاد في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2023، سبباً في إرسال موجات صادمة عبر أسواق النفط العالمية، مع ارتفاع أسعار خام برنت إلى ما يتجاوز 120 دولاراً للبرميل. وفي حين تتصارع الاقتصادات الكبرى مع الضغوط التضخمية، فإن التأثير على الدول الأفريقية المعتمدة على الواردات كان شديدا بشكل خاص، ويتجلى في تقنين الطاقة على نطاق واسع، ونقص الوقود المعوق، والارتفاع الخطير في غش البنزين. إن الانقطاع المستمر لإمدادات النفط من مضيق هرمز، وهو نقطة اختناق بالغة الأهمية، جعل العديد من الحكومات الأفريقية تتدافع من أجل إيجاد حلول، وغالباً ما يكون ذلك على حساب اقتصاداتها الهشة بالفعل والحياة اليومية لمواطنيها.
وقد أدى الصراع، الذي بدأ بضربات مستهدفة بطائرات بدون طيار على ممرات الشحن الرئيسية وتصاعد إلى مواجهات بحرية مباشرة، إلى انخفاض كبير في تدفق النفط الخام، مما أدى إلى عمليات شراء بدافع الذعر وتداول المضاربة. وبالنسبة لدول مثل كينيا وغانا وزامبيا، التي تعتمد بشكل كبير على المنتجات النفطية المكررة المستوردة، كانت الأزمة فورية وعميقة. ارتفعت تكاليف الشحن بشكل كبير بسبب زيادة أقساط التأمين وإعادة توجيه السفن، مما أدى إلى تفاقم العبء المالي على خزائن الدولة.
تقنين الأضواء: قارة في الظلام
في جميع أنحاء القارة، كان العرض الأكثر وضوحًا للأزمة هو عودة تقنين القوة الوحشي، الذي يذكرنا بالفترات الاقتصادية المظلمة. في كينيا، أعلنت شركة المرافق الوطنية، شركة كينيا للطاقة والإضاءة (KPLC)، عن جدول زمني طارئ لخفض الأحمال بدءًا من الأول من فبراير 2024، مشيرة إلى عدم كفاية قدرة التوليد بسبب أسعار الديزل الباهظة للمحطات الحرارية. وتواجه العديد من المناطق، بما في ذلك أجزاء من نيروبي ومومباسا وكيسومو، الآن انقطاعات مجدولة للتيار الكهربائي تصل إلى 12 ساعة يوميًا. وأعربت أغنيس وانجيكو، صاحبة مصنع للملابس في المنطقة الصناعية في نيروبي، عن أسفها قائلة: "لقد خسرت أعمالنا الصغيرة في مجال المنسوجات أكثر من 40% من إنتاجها". "لا يمكننا تحمل تكلفة مولدات الكهرباء لهذه الساعات العديدة، وحتى لو استطعنا، فإن الديزل باهظ الثمن".
وإلى الجنوب، قامت زامبيا غير الساحلية، التي تعتمد بشكل كبير على الديزل في عمليات التعدين والنقل، بتنفيذ انقطاعات حادة في التيار الكهربائي. بدأت شركة ZESCO Limited، وهي شركة الطاقة المملوكة للدولة، برنامجًا لإدارة الأحمال اليومية لمدة ثماني ساعات في منتصف شهر فبراير، مما أثر على كل شيء بدءًا من المعالجة الزراعية وحتى الأسر الحضرية. واعترف وزير الطاقة بيتر نكوسي بهذه التدابير المؤلمة، حيث قال في الخامس من مارس/آذار: "بينما نستكشف اتفاقيات شراء الطاقة الطارئة، فإن وضع الوقود العالمي جعل توليد الطاقة الحرارية باهظ التكلفة. ويتعين علينا أن نحافظ على الطاقة للحفاظ على تشغيل خدماتنا الأساسية". وكان التأثير المضاعف على التضخم فوريًا، مع ارتفاع تكلفة السلع الأساسية مع تحمل الشركات لنفقات تشغيلية أعلى.
تأجيج اليأس: صعود الغش
ولعل النتيجة الأكثر خطورة لندرة الوقود هي الارتفاع الخطير في غش البنزين. ومع تضاؤل إمدادات الوقود المشروعة وارتفاع الأسعار، اغتنمت الشركات غير المشروعة الفرصة لتخفيف البنزين بمواد كيميائية أرخص، وضارة في كثير من الأحيان، مثل الكيروسين أو حتى المذيبات. وقد شهدت هذه الممارسة، السائدة في بلدان مثل نيجيريا وغانا، زيادة حادة منذ أواخر عام 2023، مما أدى إلى تلف شديد في المحرك، وزيادة انبعاثات المركبات، وحتى مخاطر على السلامة.
وفي أكرا، غانا، أبلغت هيئة البترول الوطنية (NPA) عن مصادرة أكثر من 15000 لتر من الوقود المغشوش في يناير وفبراير 2024 وحدهما، بزيادة قدرها 300٪ عن الربع السابق. "هذا عمل إجرامي يعرض السلامة العامة للخطر ويدمر محركات المركبات"، صرح الرئيس التنفيذي لـ NPA الدكتور أليكس مينساه في 12 مارس. "إننا نكثف المراقبة، لكن اليأس الناجم عن النقص يجعل هذه المعركة صعبة للغاية." وقد شارك سائقو السيارات في جميع أنحاء غرب أفريقيا حكايات مروعة عن تعطل المحرك وفواتير الإصلاح غير المتوقعة، مما زاد من الضغط على ميزانيات الأسر التي تعاني بالفعل من التضخم.
التداعيات الاقتصادية والسخط العام
كان التأثير التراكمي لترشيد الطاقة ونقص الوقود بمثابة عائق كبير أمام النمو الاقتصادي في جميع أنحاء القارة. وارتفعت تكاليف النقل، مما أثر على سلاسل التوريد للأغذية والسلع الأساسية الأخرى. وتكافح الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، التي تمثل العمود الفقري للعديد من الاقتصادات الأفريقية، من أجل البقاء. قام صندوق النقد الدولي (IMF) مؤخرًا بتعديل توقعاته للنمو في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا لعام 2024 من 4.0% إلى 3.2%، مشيرًا إلى أزمة الطاقة المستمرة كعامل أساسي.
كما أن السخط العام يتصاعد أيضًا. وفي العديد من المدن، بما في ذلك لاغوس وكمبالا، اندلعت احتجاجات متفرقة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم قدرة الحكومة على تخفيف الأزمة. وبينما تستكشف الحكومات مصادر الطاقة البديلة وتتفاوض على صفقات استيراد طارئة، فإن المستقبل القريب يظل قاتما. لقد ألقت "الحرب الإيرانية"، وهي صراع بعيد، بظلال قاتمة طويلة على الحياة اليومية والاستقرار الاقتصادي للملايين في جميع أنحاء أفريقيا، مما يسلط الضوء على ضعف القارة العميق في مواجهة الهزات الجيوسياسية العالمية.






