آخر انتقادات ترامب ضد حلف شمال الأطلسي
أرسل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مرة أخرى موجات من القلق عبر التحالف عبر الأطلسي، مكررًا شكوكه الطويلة الأمد حول قيمة الناتو. خلال تجمع انتخابي في تشارلستون بولاية كارولينا الجنوبية، في 10 فبراير 2024، انتقد ترامب صراحة الدول الأعضاء بسبب ما وصفه بنقص الدعم للأهداف الأمريكية، وخاصة فيما يتعلق بإيران. وقد أثار هذا الهجوم الأخير المخاوف بين العواصم الأوروبية والمحللين الأمنيين بشأن احتمال حدوث تحول زلزالي في هندسة الأمن العالمي في حالة عودته إلى البيت الأبيض.
وتعليقات ترامب ليست جديدة. طوال حملته الانتخابية عام 2016 ورئاسته، وصف الناتو باستمرار بأنه "عفا عليه الزمن" وشكك مرارًا وتكرارًا في التزام الدول الأعضاء بالإنفاق الدفاعي، وغالبًا ما كان يهدد بسحب الولايات المتحدة من التحالف. ومع ذلك، فإن ربط مستقبل التحالف مباشرة بأهداف محددة للسياسة الخارجية الأمريكية، مثل تلك الموجودة في الشرق الأوسط، يضيف طبقة جديدة من التعقيد والاحتكاك المحتمل.
البعد الإيراني: نقطة خلاف
يكمن جوهر انتقادات ترامب الأخيرة في ما يعتبره دعمًا غير كافٍ من أعضاء الناتو لسياسة الولايات المتحدة تجاه إيران. ورغم أن "الأهداف" المحددة لم يتم تفصيلها بشكل كامل، فإنها تتوافق عموما مع حملة الضغط الأقصى التي تشنها إدارته، والتي تضمنت الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة ــ الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 ــ في مايو/أيار 2018 وإعادة فرض عقوبات صارمة. أعرب العديد من حلفاء الناتو الأوروبيين، بما في ذلك ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، عن أسفهم إزاء انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة، مفضلين النهج الدبلوماسي وسعيين للحفاظ على الصفقة.
يسلط هذا الاختلاف الضوء على توتر أساسي: في حين أن التفويض الأساسي لحلف شمال الأطلسي بموجب المادة 5 هو الدفاع الجماعي ضد أي هجوم على دولة عضو، فإن دوره في العمليات خارج المنطقة أو المواءمة مع استراتيجيات جيوسياسية أمريكية محددة كان دائمًا موضع نقاش. غالبًا ما تعطي الدول الأوروبية الأولوية للدبلوماسية المتعددة الأطراف والاستقرار في الشرق الأوسط، خوفًا من أن تؤدي المواقف الأمريكية العدوانية إلى تصعيد التوترات الإقليمية. وبالتالي فإن توقعات ترامب بتقديم دعم لا جدال فيه لسياسته تجاه إيران تتعارض مع اعتبارات السياسة الخارجية الدقيقة للعديد من الحلفاء الأوروبيين.
الآثار المترتبة على الدفاع الجماعي لحلف شمال الأطلسي
إن احتمال انسحاب الولايات المتحدة من الناتو، أو خفض مستوى التزامها بشكل كبير، يحمل آثارًا عميقة على المبدأ الأساسي للحلف: المادة 5، التي تنص على أن الهجوم على عضو واحد هو هجوم على الجميع. وبدون الدعم الكامل من الولايات المتحدة، فإن مصداقية حلف شمال الأطلسي كقوة ردع، وخاصة في مواجهة روسيا العدوانية، سوف تتقوض بشدة. وتعتمد الدول الواقعة على الجانب الشرقي لحلف شمال الأطلسي، مثل بولندا ودول البلطيق، بشكل كبير على الضمانات الأمنية الأمريكية.
من المرجح أن يؤدي ضعف الناتو إلى تشجيع الخصوم وإجبار الدول الأوروبية على تسريع قدراتها الدفاعية واستقلالها الاستراتيجي. وفي حين أن المناقشات حول هوية دفاعية أوروبية أقوى مستمرة منذ سنوات، فإن فك الارتباط الأمريكي من شأنه أن يحول هذه المناقشات إلى ضرورات ملحة، مما قد يؤدي إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، ومبادرات المشتريات العسكرية الجديدة، وحتى استكشاف أطر أمنية بديلة. إلا أن بناء مثل هذه البنية الدفاعية الأوروبية القوية والمستقلة سوف يستغرق سنوات، الأمر الذي سيخلف فراغاً أمنياً خطيراً في هذه الأثناء.
ردود الفعل الأوروبية والطريق إلى الأمام
كان رد فعل الزعماء الأوروبيين إلى حد كبير مزيجاً من القلق والعزيمة. على سبيل المثال، أكد المستشار الألماني أولاف شولتز مرارا وتكرارا على التزام ألمانيا تجاه حلف شمال الأطلسي وزيادة إنفاقها الدفاعي لتلبية هدف 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الهدف الذي ناضل العديد من الأعضاء لتحقيقه بشكل مستمر. كما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، بحجة أن أوروبا يجب أن تكون قادرة على التصرف بشكل أكثر استقلالية لتحقيق مصالحها الدفاعية والأمنية.
وقد أكدت الإدارة الأمريكية الحالية في عهد الرئيس جو بايدن بقوة على التزامها تجاه حلف شمال الأطلسي، والعمل على إعادة بناء الثقة والتماسك. ومع ذلك، فإن ظلال عودة ترامب المحتملة تلوح في الأفق. وفي حالة فوزه في انتخابات عام 2024، يمكن لإدارته اتباع سياسات تتراوح بين خفض وجود القوات الأمريكية في أوروبا إلى الانسحاب التام، أو اشتراط الدعم الأمريكي بتحالفات محددة في السياسة الخارجية، كما تشير تعليقاته الأخيرة بشأن إيران. إن حالة عدم اليقين هذه تجبر الحلفاء الأوروبيين على الاستعداد لمستقبل قد لا تكون فيه المظلة الأمنية الأمريكية موثوقة كما كانت من قبل، مما يجبرهم على مواجهة أسئلة صعبة حول دفاعهم الجماعي ودورهم الجيوسياسي في عالم سريع التغير.






