خيانة همسية
بالنسبة لكوهين مايلز راث، بدأت الهمسات الخبيثة في ربيع عام 2005، أثناء سنته الأولى كطالب واعد في علوم الكمبيوتر في جامعة واشنطن. في البداية، كانت مجرد شكوك عابرة، شك قوي في أن شيئًا ما كان خاطئًا. ولكن بحلول أواخر الصيف، اجتمعت الهمسات في أمر مرعب: "اقتله. إنه يخفي شيئًا ما". وكان الهدف من هذا التوجيه المخيف هو والده، وهو الرجل الذي أحبه كوهين واحترمه دائمًا. كانت هذه بداية مرعبة لنوبة ذهانية حادة، وانحدارًا إلى واقع يمزقه جنون العظمة والهلوسة السمعية التي من شأنها أن تجعله أسيرًا لسنوات.
"لم يكن مجرد صوت؛ بل كان قصة كاملة،" يروي مايلز راث، البالغ من العمر الآن 42 عامًا، من مكتبه في منزله في سياتل. "قصة معقدة ومتطورة باستمرار عن الخيانة والتآمر، مع والدي في مركزها. كل نظرة، كل ملاحظة عادية، تم تحويلها إلى دليل. بدا الأمر حقيقيًا تمامًا، لا يمكن إنكاره." بلغت التجربة ذروتها في مواجهة مروعة مع عائلته، مما أدى إلى دخوله المستشفى في نهاية المطاف في مركز هاربورفيو الطبي، حيث تلقى تشخيص الاضطراب الفصامي العاطفي، وهو نوع من الاكتئاب.
الطريق الطويل إلى الوضوح
كانت رحلة مايلز راث للعودة من حافة الهاوية شاقة، وتميزت بمزيج من العلاج المكثف للمرضى الداخليين والخارجيين، والأدوية المدارة بعناية، والدعم الثابت من عائلته. وبتوجيه من الدكتورة إليانور فانس، طبيبته النفسية، بدأ ببطء في التمييز بين أصوات مرضه وصوت عقله. بحلول عام 2010، وبعد ما يقرب من خمس سنوات من العلاج النشط والإدارة الذاتية الدؤوبة، حقق كوهين شفاءً مستقرًا، وسلامًا تم تحقيقه بشق الأنفس من العذاب الداخلي.
لكن السلام لم يكن كافيًا. لقد تركت التجربة علامة لا تمحى، وبقي سؤال عميق عالقا: *لماذا؟* ما هي بنية وهمه؟ كيف بنى عقله مثل هذه الحقيقة الزائفة المرعبة والمتسقة داخليًا؟ أشعل هذا الفضول المتقد مهمة جديدة غير مسبوقة: تتبع مسار الذهان الذي يعاني منه، ورسم معالمه وفهم أصوله.
تتبع متاهة الوهم
بدءًا من عام 2012، شرع مايلز راث في ما يسميه مشروع "رسم خرائط الوهم". لقد كان مشروعًا يغذيه مزيج فريد من الاستبطان الشخصي والدقة الأكاديمية. عاد إلى جامعة واشنطن، ليس من أجل علوم الكمبيوتر، ولكن لمتابعة درجة الماجستير في علم الأعصاب الإدراكي. لقد قام بمراجعة يومياته بدقة من فترة مرضه، وقارن ذكرياته المجزأة مع روايات مفصلة من والديه وسجلاته الطبية. ويشرح قائلاً: "كان الأمر أشبه بكوني عالم آثار في ذهني". "غربلة الشظايا، ومحاولة إعادة بناء الحضارة المفقودة."
وقد لفت عمله انتباه الدكتورة لينا بيتروفا، وهي طبيبة نفسية باحثة في كلية الطب بجامعة ويسكونسن متخصصة في الذهان في الحلقة الأولى. بالتعاون مع الدكتورة بتروفا، طور مايلز راث منهجية جديدة:
- رسم الخرائط الزمنية: رسم تخطيطي لظهور وتطور العقد الوهمية المحددة بمرور الوقت، وتحديد الأنماط والمحفزات.
- إعادة بناء السرد: تحليل المنطق الداخلي والاتساق الموضوعي لرواياته الذهانية.
- الارتباطات العاطفية: ربط محدد المحتوى الوهمي للحالات العاطفية الأساسية مثل الخوف، والغضب، واليأس.
من خلال هذه العملية المضنية، حدد كوهين الضغوطات المتكررة - وخاصة الحرمان من النوم، والضغط الأكاديمي، والعزلة الاجتماعية - التي غالبا ما تسبق زيادة في أعراضه. كما لاحظ أيضًا "قوسًا سرديًا" مميزًا لأوهامه، كما لو كان دماغه يحاول يائسًا فرض النظام على الفوضى الداخلية، وبناء قصة، مهما كانت مرعبة، لشرح مشاعر لا يمكن تفسيرها.
فهم جديد، طريق إلى الأمل
تقدم الدراسة الذاتية الرائدة التي أجراها مايلز راث رؤى لا تقدر بثمن حول التجربة الذاتية للذهان، وهو مجال غالبًا ما يصعب على الباحثين اختراقه. تشير الدكتورة بتروفا إلى أن "عمل كوهين يوفر منظورًا نادرًا من منظور الشخص الأول حول ظاهرة الأوهام. وتعد قدرته على توضيح الآليات الداخلية لمرضه أداة قوية لفهم كيفية تشكل هذه الحالات المعقدة واستمرارها. إنها تتجاوز مجرد الأعراض إلى التجربة الحية. "
في عام 2021، قدم مايلز راث النتائج الأولية لمشروعه الذي دام عقدًا من الزمن في الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية للطب النفسي، ولاقى اهتمامًا كبيرًا. وهو يأمل ألا يساهم عمله في فهم علمي أعمق للذهان فحسب، بل يساعد أيضًا في إزالة وصمة العار عن الأمراض العقلية من خلال إظهار المرونة العميقة والقدرة التحليلية التي يمكن أن تنشأ من مثل هذه التجارب الصعبة. ويخلص مايلز راث إلى أن "هدفي ليس مجرد فهم ما حدث لي، بل أن أظهر للآخرين أنه حتى من أعمق أعماق الوهم، هناك طريق للعودة، بل وطريق للأمام لاكتشاف الذات بشكل عميق". وتمثل رحلته شهادة على قدرة الروح الإنسانية على مواجهة أحلك أركانها والخروج منها بحكمة وهدف متجدد.






