لغز الأسعار المستمرة في المملكة المتحدة: لماذا يظل التضخم أعلى من الهدف
تجد المملكة المتحدة نفسها في مأزق اقتصادي غريب. وفي حين تراجع معدل التضخم الرئيسي بشكل كبير عن الذروة التي بلغها عند 11.1% في أكتوبر/تشرين الأول 2022، فإنه لا يزال يحوم بعناد فوق هدف بنك إنجلترا البالغ 2%. وتشير أحدث الأرقام، التي تظهر أن مؤشر أسعار المستهلك (CPI) عند 2.3% في أبريل 2024، إلى احتمال وشيك، لكن استمرار ضغوط الأسعار يشير إلى مشكلات أعمق وأكثر رسوخًا من الصدمات الأولية لأزمات الطاقة العالمية واضطرابات سلسلة التوريد. بالنسبة للملايين من الأسر والشركات البريطانية، تترجم هذه الفترة الطويلة من الأسعار المرتفعة إلى ضغط دائم في تكلفة المعيشة وتوقعات اقتصادية غير مؤكدة.
تحليل صعود التضخم في المملكة المتحدة
كان الارتفاع الأولي في التضخم في المملكة المتحدة إلى حد كبير قصة صدمات خارجية. وكان انتعاش الطلب العالمي بعد الجائحة، إلى جانب الاختناقات الشديدة في سلسلة التوريد، أول ما دفع الأسعار إلى الارتفاع. وقد تفاقم هذا الوضع بشكل كبير بسبب الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، والذي أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الغذائية. وارتفعت أسعار الغاز، على وجه الخصوص، مما أثر بشكل مباشر على فواتير المرافق المنزلية والتكاليف التشغيلية للشركات في كل قطاع. أفاد مكتب الإحصاءات الوطنية (ONS) أن أسعار الطاقة المحلية وحدها ساهمت بشكل كبير في ذروة معدل التضخم، إلى جانب ارتفاع تكاليف الغذاء بسبب اضطرابات الحصاد العالمي وارتفاع أسعار الواردات. وشهدت هذه الفترة تآكلاً سريعاً في القوة الشرائية، الأمر الذي فرض ضغوطاً هائلة على الحكومة وبنك إنجلترا للاستجابة.
لماذا هذا التمسك العنيد؟
ومع انحسار الصدمات المباشرة في مجال الطاقة وسلسلة التوريد، تحول التركيز إلى العوامل المحلية التي تؤدي إلى التضخم المستمر. السبب الرئيسي هو تضخم الخدمات، الذي لا يزال مرتفعا. لا تزال قطاعات مثل الضيافة والترفيه والخدمات الشخصية تشهد نموًا قويًا في الأسعار، وغالبًا ما يرتبط ذلك بارتفاع تكاليف الأجور. لقد أظهر سوق العمل في المملكة المتحدة، على الرغم من بعض التباطؤ، مرونة ملحوظة، مما أدى إلى نمو قوي في الأجور مع تنافس أصحاب العمل على المواهب. فقد سجل متوسط الدخل الأسبوعي، باستثناء المكافآت، نموا بنسبة 6% في الأشهر الثلاثة حتى مارس/آذار 2024، وهو معدل اعتبره العديد من الاقتصاديين، بما في ذلك أولئك في بنك إنجلترا، غير متسق مع هدف التضخم بنسبة 2% في الأمد المتوسط. ويظل التضخم الأساسي، الذي يستثني البنود المتقلبة مثل الطاقة والغذاء، مصدرا للقلق أيضا، مما يشير إلى أن ضغوط الأسعار الأساسية لا تزال سائدة عبر مجموعة واسعة من السلع والخدمات. علاوة على ذلك، كان انتقال الزيادات السابقة في التكاليف إلى أسعار المستهلك النهائية أبطأ في بعض القطاعات، مما أدى إلى خلق "تأثير الجولة الثانية" الذي يبقي التضخم مرتفعاً لفترة أطول.
المشي على الحبل المشدود لبنك إنجلترا
في استجابة للتضخم الجامح، شرع بنك إنجلترا، تحت قيادة محافظه أندرو بيلي، في حملة قوية لرفع أسعار الفائدة. من أدنى مستوى تاريخي عند 0.1% في ديسمبر 2021، تم رفع سعر الفائدة بالبنك بشكل تدريجي إلى مستواه الحالي البالغ 5.25% بحلول أغسطس 2023، حيث بقي. تم تصميم هذه السلسلة المكونة من ثلاثة عشر زيادة متتالية في أسعار الفائدة لتهدئة الطلب، وتقليل الضغوط التضخمية، وإعادة التضخم إلى الهدف. ومع ذلك، فإن التأثير المتأخر للسياسة النقدية يعني أن التأثير الكامل لهذه الزيادات لا يزال محسوسًا في جميع أنحاء الاقتصاد. وفي حين أدت أسعار الفائدة المرتفعة بلا أدنى شك إلى الحد من الاقتراض والإنفاق، فإنها أدت أيضا إلى زيادة تكاليف الرهن العقاري للملايين من أصحاب المساكن وزيادة تكلفة رأس المال للشركات، مما أدى إلى إضعاف آفاق الاستثمار والنمو. تواجه لجنة السياسة النقدية (MPC) عملية توازن دقيقة: معالجة التضخم دون دفع الاقتصاد إلى الركود العميق.
التأثير على الأسر والشركات
كان للفترة الطويلة من التضخم المرتفع آثار عميقة. وتواجه الأسر أزمة حادة في تكاليف المعيشة، حيث تكافح الأجور الحقيقية لمواكبة ارتفاع الأسعار. وأصبحت السلع والخدمات الأساسية، من البقالة إلى الإسكان، أكثر تكلفة بشكل كبير، مما أجبر الكثيرين على تقليص الإنفاق التقديري أو التعمق في المدخرات. ورغم تراجع تضخم أسعار المواد الغذائية، فقد ظل مرتفعا لفترة طويلة، مما أثر بشكل غير متناسب على الأسر ذات الدخل المنخفض. وبالنسبة للشركات، أدى ارتفاع تكاليف المدخلات وضغوط الأجور إلى تقليص هوامش الربح، وخاصة بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم. وفي حين تمكنت بعض الشركات الكبرى من نقل التكاليف إلى المستهلكين، واجهت شركات أخرى انخفاض الطلب وزيادة التحديات التشغيلية. وتم تأجيل قرارات الاستثمار، وظلت ثقة المستهلك ضعيفة، مما يعكس حالة عدم اليقين الاقتصادي المستمرة. وقد أكد وزير الخزانة جيريمي هانت مراراً وتكراراً على التزام الحكومة بمعالجة التضخم، معترفاً بتأثيره المدمر على الاستقرار الاقتصادي والمالية العامة.
أثبتت رحلة المملكة المتحدة للعودة إلى هدف التضخم البالغ 2% أنها رحلة طويلة ومليئة بالتحديات. وفي حين يبدو أن أسوأ ما في التضخم الناجم عن صدمة الطاقة قد تجاوزنا، فإن استمرار ضغوط الأسعار المحلية، وخاصة في قطاع الخدمات ومن خلال النمو القوي للأجور، يمثل مشكلة معقدة بالنسبة لصناع السياسات. إن التزام بنك إنجلترا الثابت بالحفاظ على أسعار الفائدة المرتفعة يسلط الضوء على خطورة الموقف، حتى في حين يبحر الاقتصاد على حبل مشدود بين استقرار الأسعار والنمو الاقتصادي. وبينما تتطلع الأمة إلى الأمام، فإن الطريق إلى التضخم المستدام بنسبة 2٪ سيعتمد على المعايرة الدقيقة للسياسة النقدية، وتطور سوق العمل، ومرونة معنويات المستهلكين والشركات. إن "لغز التضخم" لا يزال بعيدًا عن الحل، ويظل حله أمرًا أساسيًا للصحة الاقتصادية الأوسع في المملكة المتحدة وازدهار مواطنيها.






