تحرك مدريد غير المسبوق يوقف الجهود الحربية الأميركية
مدريد ــ في تصعيد درامي للتوترات الدبلوماسية، أعلنت أسبانيا عن منعها التام من الوصول إلى مجالها الجوي وقاعدتين عسكريتين بالغتي الأهمية في الأندلس للطائرات الأميركية المشاركة في الصراع المتصاعد مع إيران. يمثل القرار، الذي كشفت عنه رئيسة الوزراء إيلينا نافارو في جلسة برلمانية طارئة في 27 أكتوبر 2024، تحديًا غير مسبوق للخدمات اللوجستية العسكرية لواشنطن وانقطاعًا كبيرًا في التعاون الدفاعي الثنائي طويل الأمد.
يؤثر مرسوم الحكومة الإسبانية على الفور على العمليات في قاعدة روتا البحرية بالقرب من قادس وقاعدة مورون الجوية بالقرب من إشبيلية، وكلاهما المرافق التي يتم تشغيلها بشكل مشترك حيوية لعمليات الانتشار الإستراتيجية الأمريكية في جميع أنحاء أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط. صرح رئيس الوزراء نافارو أن هذه الخطوة ضرورية لدعم حياد إسبانيا ومنع استخدام أراضيها كقاعدة انطلاق للأعمال العدائية التي يمكن أن تزعزع استقرار المنطقة الأوروبية الأوسع. "إسبانيا لن تكون متواطئة في صراع يهدد السلام والأمن العالميين"، هذا ما أعلنه نافارو للكورتيس جنرال الصامت.
كابوس لوجستي لمخططي البنتاغون
إن التداعيات المباشرة على الجيش الأمريكي كبيرة. أكدت مصادر البنتاغون، التي تحدثت دون الكشف عن هويتها بسبب حساسية الموقف، أن العديد من أصول القوات الجوية الأمريكية، بما في ذلك قاذفات القنابل B-52 Stratofortress وطائرات التزود بالوقود KC-135 Stratotanker التي كانت في طريقها إلى الخليج العربي، اضطرت إلى تغيير مسارها خلال الـ 48 ساعة الماضية. إن منع المجال الجوي وتوقف التزود بالوقود في إسبانيا سوف يستلزم مسارات طيران أطول، وزيادة استهلاك الوقود، وتأخيرات كبيرة في عمليات نقل الأفراد والمعدات.
ستشهد قاعدة روتا البحرية، التي تضم وجودًا كبيرًا للبحرية الأمريكية ومركزًا بالغ الأهمية لمدمرات الدفاع الصاروخي الباليستي، قيودًا على رحلات الدعم وعبور الأفراد المشاركين في الصراع الإيراني. وتواجه قاعدة مورون الجوية، وهي موقع العمليات الأمامي الرئيسي لطائرات النقل والاستطلاع الأمريكية، قيودًا مماثلة. ويعتبر هذا الاضطراب حادًا بشكل خاص نظرًا للزيادة المستمرة في الأنشطة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط في أعقاب حادثة مضيق هرمز الأخيرة في 20 أكتوبر، والتي شهدت تصعيدًا كبيرًا بين القوات البحرية الأمريكية والإيرانية.
التحالف المتوتر وتداعيات الناتو
ويأتي القرار الإسباني على الرغم من اتفاقية التعاون الدفاعي لعام 1988 بين الولايات المتحدة وإسبانيا، والتي تحكم استخدام هذه المنشآت. وفي حين يسمح الاتفاق لأسبانيا بالموافقة على مهام محددة أو رفضها، فإن الإنكار الشامل المتعلق بعملية عسكرية أمريكية كبرى أمر غير عادي إلى حد كبير ويشير إلى اختلاف عميق في التوقعات الاستراتيجية. أعرب وزير الخارجية مايكل فانس، الذي يقوم حاليًا بجولة دبلوماسية في بروكسل، عن "خيبة أمله العميقة" تجاه موقف إسبانيا، مشددًا على أهمية وحدة الحلفاء في أوقات الأزمات الدولية.
كما تلقي الخطوة الإسبانية بظلالها على تضامن الناتو. وباعتبارها عضوًا مؤسسًا في التحالف، فإن رفض إسبانيا دعم عمليات حليف رئيسي، حتى لو كانت خارج السيناريو المباشر للمادة الخامسة، يثير تساؤلات حول تقاسم الأعباء والدفاع الجماعي. ويشير المحللون إلى أنه على الرغم من أن حلف شمال الأطلسي لا يشارك بشكل مباشر في الصراع الإيراني، فإن العقبات اللوجستية المفروضة على الولايات المتحدة يمكن أن تؤثر بشكل غير مباشر على جاهزية التحالف وتماسكه بشكل عام. وتفيد التقارير أن القنوات الدبلوماسية بين مدريد وواشنطن تعمل لوقت إضافي للتخفيف من الأضرار، ولكن لا يبدو أن هناك حلاً فورياً وشيكاً.
الضغوط الداخلية والتداعيات الدولية
واجهت حكومة رئيس الوزراء نافارو، وهي ائتلاف يعتمد على الأحزاب اليسارية، ضغوطاً داخلية كبيرة لتبني موقف محايد فيما يتعلق بالتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط. أشارت استطلاعات الرأي العام التي أجراها مركز رابطة الدول المستقلة (Centro de Investigaciones Sociológicas) في أوائل أكتوبر إلى معارضة قوية بين المواطنين الإسبان لأي تورط في صراع أمريكي إيراني محتمل، حيث يفضل أكثر من 70٪ الحياد الصارم. وينظر الكثيرون في إسبانيا إلى هذا القرار باعتباره إعادة تأكيد للسياسة الخارجية المستقلة للبلاد، وهو ما يذكرنا بانسحابها من تحالف حرب العراق في عام 2004. وعلى المستوى الدولي، يمكن أن تشجع خطوة إسبانيا الدول الأوروبية الأخرى التي تشعر بالقلق من الانجرار إلى الصراع الإيراني. ورغم أن أي عضو آخر في الاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي لم يحذو حذوه حتى الآن، فإن القرار يشكل سابقة يمكن أن تؤدي إلى تعقيد عمليات الانتشار العسكري والجهود الدبلوماسية الأمريكية في المستقبل. دعا رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل جميع الأطراف إلى الهدوء ووقف التصعيد، وحث على الحوار لمنع اندلاع حريق إقليمي أوسع نطاقا. ستختبر الأسابيع المقبلة مدى مرونة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسبانيا وربما تعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي للتعاون العسكري في أوروبا.






