تراجع التضخم، لكن الألم استمر
تراجع معدل التضخم في المملكة المتحدة عن الذروة المثيرة للقلق التي شهدها في عام 2022 وأوائل عام 2023، مما يوفر بصيص أمل للأسر التي تتصارع مع أزمة تكاليف المعيشة. ومع ذلك، على الرغم من هذا الاتجاه الهبوطي، تستمر الأسعار في الارتفاع بمعدل يتجاوز بشكل كبير هدف بنك إنجلترا البالغ 2٪. ويطرح هذا الضغط التضخمي المستمر السؤال التالي: لماذا تستمر الأسعار في المملكة المتحدة في الارتفاع، وما هي العوامل التي تمنع العودة إلى الحياة الطبيعية؟
التأثير المتبقي للصدمات العالمية
كان أحد المحركات الأساسية للارتفاع الأولي في التضخم هو سلسلة من الصدمات العالمية. أدت جائحة كوفيد-19 إلى تعطيل سلاسل التوريد في جميع أنحاء العالم، مما أدى إلى نقص السلع والمواد الخام. وقد أدت هذه الندرة، إلى جانب زيادة الطلب مع إعادة فتح الاقتصادات، إلى دفع الأسعار إلى الارتفاع. وأدت الحرب في أوكرانيا إلى تفاقم الوضع، مما أثر بشكل خاص على أسواق الطاقة. شهدت المملكة المتحدة، التي تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي المستورد، ارتفاعًا كبيرًا في فواتير الطاقة بعد الغزو الروسي في فبراير 2022. وبينما تراجعت أسعار الطاقة العالمية منذ ذلك الحين، لا يزال تأثيرها يمتد عبر الاقتصاد، مما يؤثر على تكاليف الإنتاج ونفقات النقل.
نمو الأجور وسوق العمل
هناك عامل مهم آخر يساهم في استمرار التضخم وهو نمو الأجور. ومع تآكل القوة الشرائية بسبب التضخم، يطالب العمال بأجور أعلى للحفاظ على مستويات معيشتهم. وقد أدى هذا إلى ظاهرة تعرف باسم دوامة الأجور والأسعار، حيث يؤدي ارتفاع الأجور إلى زيادة الأسعار، وهو ما يؤدي بدوره إلى المطالبة بأجور أعلى. ولا يزال سوق العمل في المملكة المتحدة محكماً نسبياً، حيث تدور معدلات البطالة حول 4%، مما يمنح الموظفين المزيد من القدرة على المساومة. وكانت القطاعات التي تعاني من نقص حاد في العمالة، مثل الضيافة والرعاية الصحية، معرضة بشكل خاص لضغوط الأجور. وفقًا لمكتب الإحصاءات الوطنية (ONS)، ارتفع متوسط الأجر المنتظم باستثناء المكافآت بنسبة 7.3% في الأشهر الثلاثة حتى أكتوبر 2023، وهو معدل، على الرغم من أنه أبطأ من الذروة، إلا أنه يظل أعلى بكثير من مستويات ما قبل الوباء.
دور تضخم الخدمات
على الرغم من تباطؤ تضخم أسعار السلع بعض الشيء، إلا أن تضخم الخدمات يظل مرتفعًا على نحو عنيد. الخدمات، التي تشمل مجموعة واسعة من الأنشطة من قصات الشعر إلى وجبات المطاعم، هي أقل تعرضا لأسعار السلع العالمية وأكثر اعتمادا على تكاليف العمالة المحلية. ومع ارتفاع الأجور، تزداد تكلفة تقديم الخدمات، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين. وقد أكد بنك إنجلترا مرارا وتكرارا على أهمية الحد من تضخم الخدمات لإعادة التضخم الإجمالي إلى الهدف. في تقرير السياسة النقدية لشهر نوفمبر/تشرين الثاني 2023، توقع بنك إنجلترا أن يظل تضخم الخدمات مرتفعًا لفترة أطول مما كان متوقعًا في السابق، مما يشكل تحديًا كبيرًا لجهوده للسيطرة على التضخم.
السياسات الحكومية والتدابير المالية
<ص>تلعب السياسات الحكومية أيضًا دورًا في تشكيل التضخم. ويمكن للتدابير المالية، مثل التخفيضات الضريبية أو زيادة الإنفاق الحكومي، أن تحفز الطلب وربما تساهم في الضغوط التضخمية. وربما تكون استجابة الحكومة لأزمة الطاقة، بما في ذلك ضمان أسعار الطاقة، والتي كانت تهدف إلى حماية الأسر من فواتير الطاقة الباهظة، قد أدت عن غير قصد إلى خفض الحافز للحفاظ على الطاقة وتخفيف الضغوط الهبوطية على الأسعار. علاوة على ذلك، فإن الزيادة المقبلة في أجر المعيشة الوطني في أبريل 2024، رغم أنها مفيدة للعمال ذوي الدخل المنخفض، إلا أنها يمكن أن تزيد من نمو الأجور وتساهم في تضخم الخدمات. إن التفاعل بين السياسة النقدية، التي يحددها بنك إنجلترا، والسياسة المالية، التي تحددها الحكومة، أمر بالغ الأهمية في التعامل مع البيئة التضخمية الحالية. تعتمد فعالية رفع أسعار الفائدة من قبل بنك إنجلترا في الحد من التضخم، جزئيًا، على الموقف المالي للحكومة.التطلع إلى المستقبل: عودة تدريجية إلى الهدف؟
يتوقع الاقتصاديون أن يستمر التضخم في المملكة المتحدة في الانخفاض تدريجيًا في الأشهر المقبلة، ولكن من المرجح أن يكون طريق العودة إلى هدف 2٪ وعرًا. ومن المتوقع أن تحافظ لجنة السياسة النقدية التابعة لبنك إنجلترا على نهج حذر، وتراقب عن كثب نمو الأجور وتضخم الخدمات والتطورات الاقتصادية العالمية قبل النظر في أي تخفيضات في أسعار الفائدة. وسيكون توقيت ووتيرة هذه التخفيضات حاسما في ضمان العودة المستدامة إلى استقرار الأسعار دون إثارة الركود. بالنسبة للأسر والشركات في المملكة المتحدة، من المرجح أن تجلب الأشهر المقبلة حالة من عدم اليقين الاقتصادي المستمر حيث تتكيف مع حقبة جديدة من ارتفاع الأسعار وأسعار الفائدة.






