تراجع ثقة المستهلك وسط عدم الاستقرار العالمي
أدى الانخفاض الكبير في ثقة المستهلك في جميع أنحاء المملكة المتحدة في ديسمبر 2023 إلى إرسال موجة جديدة من القلق عبر الدوائر الاقتصادية. سجل مؤشر ثقة المستهلك GfK، والذي يتم مراقبته عن كثب، والذي نُشر في منتصف يناير 2024، انخفاضًا ملحوظًا، مما يشير إلى المخاوف المتزايدة بين المتسوقين فيما يتعلق بآفاقهم المالية الشخصية واقتصاد المملكة المتحدة الأوسع في العام المقبل. ويُعزى هذا الانخفاض إلى حد كبير إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية، ولا سيما الخطر المتصور لنشوب صراع أوسع نطاقًا في الشرق الأوسط يشمل إيران، مما يهدد بتفاقم الرياح الاقتصادية المعاكسة الحالية.
وانخفض مؤشر جي إف كيه لشهر ديسمبر 2023 بمقدار خمس نقاط إلى -32، بانخفاض من -27 في نوفمبر. ويمثل هذا أكبر انخفاض شهري منذ أغسطس 2023 ويدفع مستويات الثقة إلى أدنى مستوى لها في أربعة أشهر. كشف الاستطلاع، الذي شمل 2000 فرد في جميع أنحاء المملكة المتحدة، عن شعور واسع النطاق بعدم الارتياح، مما يعكس كيف يمكن أن تترجم الأحداث العالمية بسرعة إلى قلق اقتصادي محلي.
رمال المشاعر المتغيرة
د. علقت إليانور فانس، كبيرة الاقتصاديين في Horizon Analytics، على النتائج قائلة: "إن قراءة GfK الأخيرة هذه هي تذكير صارخ بمدى هشاشة معنويات المستهلكين. وبينما شهدنا بعض التحسينات المؤقتة في الأشهر الأخيرة، فإن التدهور المفاجئ يؤكد الحساسية العميقة للصدمات الخارجية. ومن الواضح أن المستهلكين يتطلعون إلى ما هو أبعد من ميزانيات أسرهم المباشرة ويأخذون في الاعتبار احتمال حدوث اضطراب اقتصادي أوسع نطاقًا."
يرسم تفصيل المؤشرات الفرعية ضمن تقرير GfK صورة أكثر وضوحًا صورة توضح مصدر القلق:
- الوضع المالي الشخصي على مدار الـ 12 شهرًا القادمة: انخفض هذا المؤشر بمقدار ثلاث نقاط إلى -15. على الرغم من أنه لا يزال سلبيًا، إلا أنه يظهر تحسنًا طفيفًا عن أدنى مستوياته في أوائل عام 2023، لكن الانخفاض الأخير يشير إلى تجدد القلق بشأن دخل الأسرة وإنفاقها.
- الوضع الاقتصادي العام على مدى الاثني عشر شهرًا التالية: شهد هذا الانخفاض الأكثر أهمية، حيث انخفض بمقدار سبع نقاط إلى -40. يسلط هذا الرقم الضوء على توقعات متشائمة قوية للاقتصاد الوطني، مما يشير إلى مخاوف من ركود وشيك أو ركود طويل الأمد.
- مؤشر الشراء الرئيسي: انخفض ست نقاط إلى -29. يعد هذا مؤشرًا بالغ الأهمية لقطاعي التجزئة والسلع المعمرة، مما يشير إلى أن المستهلكين أصبحوا أكثر ترددًا في الالتزام بنفقات كبيرة مثل السلع البيضاء أو السيارات أو تحسينات المنازل.
- مؤشر الادخار: انخفض قليلاً بمقدار نقطتين إلى +12. ورغم أن هذا لا يزال إيجابيًا، مما يشير إلى الميل إلى الادخار بدلاً من الإنفاق، إلا أن الانخفاض الطفيف يشير إلى أن هذا السلوك الحذر يتأثر بحالة عدم اليقين الشاملة.
التوترات الجيوسياسية تغذي عدم اليقين
الدافع الرئيسي وراء هذا التراجع المفاجئ في الثقة، وفقا للمحللين، هو عدم الاستقرار المتزايد في الشرق الأوسط. وأثارت الهجمات التي شنها المتمردون الحوثيون على السفن في البحر الأحمر، والتي أعقبتها ضربات انتقامية من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في يناير، مخاوف من نشوب صراع أوسع يشمل إيران. يعيد هذا السيناريو إلى الأذهان على الفور الاضطرابات المحتملة في إمدادات النفط العالمية، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، والاختناقات الشديدة في طرق الشحن الدولية.
وأوضح الدكتور فانس: "إن شبح الصراع المتصاعد في الشرق الأوسط، لا سيما الصراع الذي يمكن أن يجذب منتجًا رئيسيًا للنفط مثل إيران، يرسل الرعشات إلى أسفل العمود الفقري للمستهلكين والأسواق على حد سواء". "حتى التهديد بمثل هذا الحدث يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط الخام وتكاليف التأمين على الشحن، مما يؤدي حتمًا إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات هنا في المملكة المتحدة. بالنسبة للأسر التي تعاني بالفعل من ارتفاع تكاليف المعيشة، يعد هذا احتمالًا مقلقًا للغاية."
رياح اقتصادية معاكسة أوسع نطاقًا
لا يحدث تراجع الثقة الأخير في الفراغ. ويواجه اقتصاد المملكة المتحدة تحديات مستمرة طوال عام 2023. وظل التضخم، على الرغم من تراجعه من ذروته البالغة 11.1%، مرتفعًا عند 3.9% في نوفمبر، وهو أعلى بكثير من هدف بنك إنجلترا البالغ 2%. أدى سعر الفائدة الأساسي للبنك، والذي يبلغ حاليًا 5.25%، إلى الضغط على حاملي الرهن العقاري وتكاليف الاقتراض، مما أدى إلى مزيد من تقليص الإنفاق التقديري.
علاوة على ذلك، بالكاد سجل اقتصاد المملكة المتحدة أي نمو في الربع الثالث من عام 2023، مع بقاء الناتج المحلي الإجمالي ثابتًا. ويتوقع العديد من الاقتصاديين الآن حدوث ركود فني في النصف الأخير من عام 2023 وأوائل عام 2024. واعترف متحدث باسم وزارة الخزانة، ردا على نتائج تقرير جي إف كيه، بالتحديات لكنه أكد مجددا التزام الحكومة بخفض التضخم إلى النصف وتنمية الاقتصاد. صرح المتحدث قائلاً: "نحن ندرك أن الأسر لا تزال تواجه ضغوطًا، وأن الأحداث العالمية يمكن أن تخلق حالة من عدم اليقين. ولا تزال خطتنا لخفض التضخم إلى النصف وتنمية الاقتصاد وخفض الدين الوطني ثابتة، ونحن نشهد تقدمًا على هذه الجبهات". قد تواجه الشركات، وخاصة تلك الموجودة في الشوارع الرئيسية، بداية صعبة حتى عام 2024، مما قد يؤثر على قرارات التوظيف والاستثمار. ويمكن أن يؤدي انخفاض الثقة لفترة طويلة أيضًا إلى خنق الاستثمار في الأعمال التجارية، حيث تصبح الشركات أكثر حذرًا بشأن التوسع أو إطلاق مشاريع جديدة في مناخ اقتصادي غير مؤكد.
وبينما تبحر المملكة المتحدة في هذه المياه المضطربة، سيكون التفاعل بين السياسات الاقتصادية المحلية والأحداث الدولية المتقلبة أمرًا بالغ الأهمية. وستكشف الأشهر القليلة المقبلة ما إذا كانت "موجة الخوف" الحالية بشأن التوترات الجيوسياسية ستنحسر، مما يسمح لثقة المستهلك باستعادة بعض الأرض المفقودة، أو ما إذا كانت ستتعزز وتتحول إلى تشاؤم أعمق وأكثر رسوخًا.






