عرقلة غير مسبوقة في أحد الشعانين
شهدت القدس حادثة غير عادية ومثيرة للجدل في أحد الشعانين، 24 مارس 2024، حيث منعت الشرطة الإسرائيلية غبطة البطريرك بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس اللاتيني، من الوصول إلى الموكب التقليدي والقداس داخل البلدة القديمة. منعت هذه الخطوة غير المسبوقة أكبر رجل دين كاثوليكي في الأرض المقدسة من المشاركة بشكل كامل في أحد أقدس الأيام المسيحية، مما أثار إدانة فورية وأثار مخاوف بشأن الحرية الدينية في مدينة مقدسة للمليارات.
وقع الحادث بالقرب من باب الخليل، المدخل الرئيسي للمدينة القديمة في القدس، حيث تم إيقاف موكب البطريرك بيتسابالا بسبب تواجد كبير للشرطة. وعلى الرغم من تقديم أوراق اعتماده الرسمية والاحتجاج على العرقلة، إلا أن الضباط حافظوا على موقفهم، مستشهدين بتوجيهات أمنية غير محددة. وأفاد شهود عيان عن مشهد من الارتباك والإحباط، حيث لم يتمكن العشرات من الحجاج ورجال الدين في البداية من السير إلى جانب البطريرك. في حين تم السماح لبعض المجموعات الصغيرة من الحجاج بالمرور في نهاية المطاف بطريقة تخضع لرقابة مشددة، واجه البطريرك نفسه والوفد المرافق له تأخيرات وقيودًا طويلة في طريقهم إلى كنيسة القيامة، الموقع التقليدي لقداس أحد السعف.
يستشهد نتنياهو بالتهديدات الإيرانية للحملة الأمنية
استجابت الحكومة الإسرائيلية بسرعة للاحتجاجات، حيث أصدر مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بيانًا اتهم فيه الشرطة. العمل كإجراء أمني ضروري. وجاء في البيان: “في أعقاب الضربات الإيرانية الأخيرة وتصاعد التوترات الإقليمية، اضطرت إسرائيل إلى رفع مستوى وضعها الأمني في المناطق الحساسة، بما في ذلك البلدة القديمة في القدس”. وأوضح كذلك أن "هذه الإجراءات، على الرغم من أنها مؤسفة في تأثيرها على الشعائر الدينية، إلا أنها حيوية لحماية الأرواح من التهديدات المحتملة الناشئة من إيران ووكلائها، والتي أظهرت نية واضحة لزعزعة استقرار المنطقة". وفي حين أن البيان لم يذكر تفاصيل الضربات الإيرانية المحددة التي سبقت أحد السعف مباشرة، فقد ألمح إلى سلسلة من غارات الطائرات بدون طيار والهجمات بالوكالة المنسوبة إلى طهران في الأسابيع السابقة، والتي تعتبرها إسرائيل تحديًا مباشرًا لأمنها. ويشير هذا التبرير إلى نمط أوسع من حالة التأهب المشددة في أعقاب فترة من العدوان المتزايد في الشرق الأوسط الأوسع، بما في ذلك الضربات الإسرائيلية المزعومة في سوريا ولبنان، والأعمال الانتقامية من قبل الجماعات المدعومة من إيران. وأكدت الحكومة أن القرار اتخذ بسبب قدر كبير من الحذر، على الرغم من تقليد البطريركية اللاتينية القديم المتمثل في الوصول دون عوائق إلى الأماكن المقدسة.
إدانة واسعة النطاق ودعوات للوصول
وأدانت البطريركية اللاتينية في القدس بشدة تصرفات الشرطة، ووصفتها بأنها "انتهاك خطير للحرية الدينية والوضع الراهن الذي يحكم الأماكن المقدسة المسيحية". وصرح متحدث باسم البطريركية أن "منع غبطة البطريرك اللاتيني من قيادة احتفالات أحد السعف ليس مجرد إزعاج؛ بل هو إهانة مباشرة للمجتمع المسيحي في القدس وحول العالم. نحن نرفض أي مبرر يستخدم الأمن كذريعة لتقييد الحقوق الدينية الأساسية".
كما أثار الحادث انتقادات من الطوائف المسيحية الأخرى في الأراضي المقدسة والهيئات الدولية. وأعرب مجلس الكنائس العالمي عن "قلقه العميق" إزاء القيود، داعيا السلطات الإسرائيلية إلى الوفاء بالتزاماتها بشأن الحرية الدينية وضمان الوصول دون عوائق إلى أماكن العبادة. وبحسب ما ورد أثار العديد من دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي هذه القضية مع المسؤولين الإسرائيليين، وشددوا على أهمية احترام التوازن الدقيق بين الأديان في القدس، وخاصة خلال المهرجانات الدينية الكبرى. يزعم المنتقدون أنه على الرغم من أن المخاوف الأمنية مشروعة، إلا أن القيود الشاملة المفروضة على الزعماء الدينيين يمكن أن تؤدي إلى تفاقم التوترات بدلاً من تخفيفها، خاصة عند تطبيقها بشكل انتقائي.
الوضع الراهن الهش في القدس
تسلط هذه الحادثة الضوء على الوضع الراهن الهش على نحو متزايد في القدس، وهي مدينة يقدسها اليهود والمسيحيون والمسلمون. إن الترتيبات التاريخية، التي يشار إليها غالبًا باسم "الوضع الراهن"، تملي الحكم والوصول إلى مختلف الأماكن المقدسة. لعقود من الزمن، تمتع الزعماء المسيحيون بحركة غير مقيدة إلى حد كبير في المناسبات الدينية الكبرى. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، تزايدت الشكاوى من المجتمعات المسيحية بشأن القيود المتزايدة والمضايقات ومحاولات تغيير هذه الاتفاقيات القائمة منذ فترة طويلة، خاصة خلال فترات التوتر السياسي أو الأمني.
تؤكد الحكومة الإسرائيلية أنها ملتزمة بدعم الحرية الدينية لجميع الأديان في القدس. ومع ذلك، فإن حوادث مثل أحد الشعانين أوقفت المخاوف بين المجتمعات المسيحية التي تشعر بالتهميش بشكل متزايد. ويضيف التوقيت، الذي يتزامن مع تصاعد عدم الاستقرار الإقليمي فيما يتعلق بإيران، طبقة أخرى من التعقيد، حيث يتشابك بين الحقوق الدينية والمخاوف الأمنية الجيوسياسية. ويشير المراقبون إلى أنه بدون سياسات واضحة ومتسقة تعطي الأولوية لكل من الأمن والوصول الديني، فإن مثل هذه الحوادث تهدد بمزيد من تآكل الثقة وتعميق الانقسامات الطائفية في منطقة مضطربة بالفعل. ويواصل المجتمع الدولي المراقبة عن كثب، ويحث جميع الأطراف على تهدئة التوترات وحماية حرمة الأماكن المقدسة في القدس وحقوق طوائفها الدينية المتنوعة.






