التصعيد خارج خطوط المواجهة التقليدية
دخلت الحملة العسكرية الإسرائيلية في لبنان مرحلة جديدة ومثيرة للقلق، مع تكثيف الهجمات الآن التي تستهدف مناطق كانت تعتبر في السابق خارج السيطرة العملياتية المباشرة لحزب الله. يشير هذا التحول الاستراتيجي، إلى جانب إعلان صريح من المسؤولين الإسرائيليين عن عزمهم السيطرة على مساحات كبيرة من جنوب لبنان، إلى تصعيد كبير في الصراع الذي احتدم منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، في أعقاب هجمات حماس في جنوب إسرائيل.
على مدى أشهر، كانت التبادلات عبر الحدود بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله محصورة إلى حد كبير في شريط يبلغ طوله حوالي 5 كيلومترات على طول الخط الأزرق، مما أثر في المقام الأول على معاقل حزب الله المعروفة وجيشه. البنية التحتية. ومع ذلك، شهدت الأسابيع الأخيرة توسعًا ملحوظًا في الغارات الجوية الإسرائيلية والقصف المدفعي في عمق الأراضي اللبنانية. وتشير التقارير الواردة من وسائل الإعلام المحلية والمنظمات الإنسانية إلى أن الضربات وصلت إلى مناطق قريبة من جزين والضواحي الشرقية للنبطية، والمناطق الزراعية القريبة من نهر الليطاني - وهي مناطق لا تعتبر تقليدياً مناطق عملياتية أساسية لحزب الله أو مناطق ذات أغلبية شيعية. وقد أثارت هذه العمليات الموسعة إدانة من بيروت، حيث أصدر مكتب رئيس الوزراء المؤقت نجيب ميقاتي بيانات تدين انتهاك السيادة اللبنانية.
طموح "المنطقة العازلة": استراتيجية مألوفة
إن نية الحكومة الإسرائيلية المعلنة للسيطرة على أجزاء من جنوب لبنان تعكس سابقة تاريخية، مما يستحضر ذكريات احتلال إسرائيل لـ "المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان على مدى 18 عامًا، والتي استمرت من عام 1982 حتى انسحابها الأحادي الجانب في مايو/أيار 2000. وقد أعرب كبار مسؤولي الدفاع الإسرائيليين، بمن فيهم وزير الدفاع يوآف غالانت، علناً عن الحاجة إلى منطقة عازلة منزوعة السلاح لمنع وقوع هجمات مستقبلية مماثلة لهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول. ويعود هذا الهدف إلى الرغبة في دفع قوة الرضوان التابعة لحزب الله وغيرها من الجماعات المسلحة بعيداً عن الحدود الإسرائيلية، مما يضمن سلامة المجتمعات المحلية في شمال إسرائيل، والتي لا يزال العديد منها مهجوراً.
يتحدى هذا الطموح بشكل مباشر قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701، الذي أنهى حرب لبنان عام 2006 ودعا إلى إنشاء منطقة خالية من أي أفراد مسلحين غير الجيش اللبناني وقوات حفظ السلام التابعة لليونيفيل جنوب نهر الليطاني. ويقول المنتقدون إن تصرفات إسرائيل الأحادية ونواياها الإقليمية المعلنة تقوض القانون الدولي وتزيد من زعزعة استقرار المنطقة الهشة بالفعل. وقد تعهد زعيم حزب الله حسن نصر الله مراراً وتكراراً بمقاومة أي توغلات إسرائيلية، مما يشير إلى احتمال القيام بعمليات انتقامية أشد قسوة إذا حاولت إسرائيل ترسيخ وجود دائم لها.
تفاقم الأزمة الإنسانية
وقد أدى الصراع المكثف إلى خسائر فادحة في صفوف السكان المدنيين في جنوب لبنان. وقد نزح أكثر من 90,000 مواطن لبناني من منازلهم بحثاً عن ملجأ في مناطق أكثر أماناً شمالاً أو مع أقاربهم. والقرى التي نجت سابقًا من وطأة القتال تشهد الآن قصفًا يوميًا، مما أدى إلى زيادة عدد الضحايا وتدمير واسع النطاق للبنية التحتية. تعرضت الأراضي الزراعية، وهي المصدر الرئيسي لكسب الرزق للكثيرين في المنطقة، للحرق بسبب ذخائر الفسفور الأبيض ونيران المدفعية، مما أثار مخاوف بشأن الأمن الغذائي على المدى الطويل والأضرار البيئية.
تكافح منظمات الإغاثة الإنسانية، بما في ذلك الصليب الأحمر اللبناني ومختلف وكالات الأمم المتحدة، لتوفير المساعدة الكافية وسط تضاؤل الموارد وظروف العمل المتزايدة الخطورة. أبلغت المستشفيات في صور وصيدا عن زيادة في حالات القبول بسبب الإصابات المرتبطة بالحرب، في حين لا تزال المدارس مغلقة في العديد من المناطق المتضررة، مما أدى إلى تعطيل تعليم الآلاف من الأطفال.
تداعيات إقليمية ودولية
إن اتساع نطاق الصراع يحمل تداعيات إقليمية ودولية خطيرة. وأعربت دول الجامعة العربية عن قلقها العميق، وحثت على ضبط النفس ودعت إلى التدخل الدولي لمنع نشوب حرب واسعة النطاق. وفي حين تكرر الولايات المتحدة دعمها لأمن إسرائيل، فقد ضغطت أيضًا من أجل وقف التصعيد، حيث انخرط وزير الخارجية أنتوني بلينكن في الجهود الدبلوماسية لتجنب اندلاع حريق إقليمي أوسع نطاقًا. وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش من مخاطر سوء التقدير واحتمال التوسع الكارثي للأعمال العدائية.
إذا استمرت إسرائيل في نواياها المعلنة للسيطرة على أجزاء من جنوب لبنان، فإنها تخاطر بإشعال صراع أوسع نطاقا وأطول أمدا، مما سيجذب جهات فاعلة إقليمية أخرى وربما يغرق الشرق الأوسط برمته في أزمة غير مسبوقة. وستكون الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الدبلوماسية قادرة على تجنب مثل هذا السيناريو أو ما إذا كانت المنطقة مستعدة لحرب مدمرة أخرى.






