التوترات الجيوسياسية تهز التوقعات الاقتصادية في المملكة المتحدة
أدى "موجة من الخوف" الكبيرة الناجمة عن تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط إلى انخفاض ثقة المستهلك في المملكة المتحدة، وفقًا لدراسة استقصائية رسمية حديثة. تكشف أحدث البيانات عن مخاوف متزايدة بين المتسوقين البريطانيين فيما يتعلق بآفاق الاقتصاد الوطني على مدى الاثني عشر شهرًا المقبلة، مع احتمال نشوب صراع أوسع يشمل إيران باعتباره مصدر قلق رئيسي.
ترسم النتائج التي توصل إليها مؤشر ثقة المستهلك في المملكة المتحدة التابع لمجموعة Insight Analytics Group، والذي تم إجراؤه في الفترة ما بين 20 و25 يناير 2024، صورة صارخة. وسجل المؤشر، وهو مقياس حاسم لمعنويات الأسر، انخفاضًا حادًا، مما يشير إلى تعمق التشاؤم الذي قد يخنق الإنفاق والاستثمار في الأشهر المقبلة.
انخفاض حاد في المعنويات
وانخفض مؤشر ثقة المستهلك في المملكة المتحدة إلى -28 نقطة في يناير، وهو انخفاض ملحوظ من -22 نقطة المسجلة في ديسمبر. يمثل هذا أدنى قراءة منذ سبتمبر 2023 ويعكس تدهورًا واسع النطاق في المعنويات عبر مختلف المؤشرات الاقتصادية. وبالتعمق في الأرقام، انخفضت توقعات الاقتصاد العام على مدى الأشهر الاثني عشر المقبلة بمقدار 10 نقاط إلى -45، مما يشير إلى زيادة كبيرة ومفاجئة في القلق العام.
وفي حين شهدت تصورات الموارد المالية الشخصية على مدى العام المقبل انخفاضا أكثر تواضعا، حيث انخفضت من -5 إلى -8، يبدو أن مصدر القلق الأكبر كان المشهد الاقتصادي الأوسع. كثيرًا ما أشار المشاركون في الاستطلاع إلى "عدم اليقين بشأن الاستقرار العالمي" و"احتمال ارتفاع تكاليف الطاقة" كمحركين رئيسيين لتشاؤمهم المتجدد، ويربطون مخاوفهم بشكل مباشر بالوضع المضطرب في البحر الأحمر والشرق الأوسط الأوسع.
التوترات الجيوسياسية والتداعيات الاقتصادية
ويُعزى المحفز الأساسي لهذا الانكماش على نطاق واسع إلى تزايد خطر نشوب صراع كبير في الشرق الأوسط، لا سيما فيما يتعلق بإيران. يطلق الاقتصاديون ومحللو السوق ناقوس الخطر بشأن التداعيات المحتملة على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل التوريد، والتي ستؤثر حتماً على المملكة المتحدة.
ويتوقع المحللون في Zenith Global Market، وهي شركة تنبؤ مالي بارزة، أن الأعمال العدائية المستمرة قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار خام برنت إلى ما يزيد عن 100 دولار للبرميل، ومن المحتمل أن ترتفع أكثر اعتمادًا على شدة ومدة أي صراع. ومن شأن هذا الارتفاع أن يترجم بشكل مباشر إلى زيادة تكاليف الوقود للنقل، وارتفاع نفقات التصنيع، وفي نهاية المطاف، إعادة إشعال الضغوط التضخمية التي عمل بنك إنجلترا بجد للحد منها خلال العام الماضي. علاوة على ذلك، فإن تعطيل ممرات الشحن الحيوية، وخاصة عبر مضيق هرمز، يمكن أن يؤثر بشدة على تدفق البضائع، مما يؤدي إلى تفاقم نقاط الضعف الحالية في سلسلة التوريد ويؤدي إلى مزيد من الزيادات في الأسعار على مجموعة من المنتجات المستوردة.
رياح اقتصادية معاكسة أوسع نطاقًا
إن "موجة الخوف" الناجمة عن الأحداث الجيوسياسية تضرب اقتصاداً يتصارع بالفعل مع تحديات محلية كبيرة. وكانت المملكة المتحدة تبحر عبر أزمة تكاليف المعيشة المستمرة، حيث لا تزال الأسر تشعر بالضغط الناجم عن ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع أسعار الفائدة. لا تشير أحدث التوقعات الصادرة عن مكتب مسؤولية الميزانية (OBR) إلا إلى نمو اقتصادي متواضع لعام 2024، مما يجعل الاقتصاد عرضة بشكل خاص للصدمات الخارجية.
"يعد هذا الانخفاض الأخير في ثقة المستهلك بمثابة تذكير صارخ بمدى ترابط اقتصادنا مع الأحداث العالمية"، كما صرحت الدكتورة إيفلين ريد، كبيرة الاقتصاديين في Insight Analytics Group. "تواجه الأسر، التي تشعر بالفعل بالأزمة، الآن احتمال تجدد الضغوط التضخمية وزيادة عدم اليقين. ومن المرجح أن يؤدي هذا إلى مزيد من تشديد الإنفاق التقديري، مما يؤثر على مبيعات التجزئة والنشاط الاقتصادي الأوسع في وقت تحتاج فيه المملكة المتحدة إلى الدعم". ومن المرجح أيضاً أن تؤجل الشركات قراراتها الاستثمارية، في انتظار مزيد من الوضوح بشأن التوقعات العالمية.
استجابة الحكومة والبنك المركزي
يؤدي تدهور الثقة إلى تعقيد عملية التوازن الدقيقة التي يواجهها صناع السياسات. اعترفت وزيرة الخزانة، إليانور فانس، بـ "المخاوف العالمية الواضحة" خلال مؤتمر اقتصادي عقد مؤخرًا، قائلة: "إننا نراقب عن كثب الوضع في الشرق الأوسط وآثاره الاقتصادية المحتملة. وتظل أولويتنا هي تحقيق الاستقرار في الاقتصاد ودعم الأسر خلال هذه الأوقات المضطربة."
بالنسبة لبنك إنجلترا، فإن عودة المخاوف التضخمية بسبب الارتفاع المحتمل في أسعار النفط يمكن أن تؤدي إلى تعقيد مساره نحو التخفيضات المحتملة في أسعار الفائدة في وقت لاحق من العام. وفي حين أشار البنك إلى استعداده لتخفيف السياسة النقدية بمجرد السيطرة على التضخم بشكل صارم، فإن موجة جديدة من التضخم الناجم عن زيادة التكاليف قد تجبره على الحفاظ على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، مما يزيد من إضعاف آفاق التعافي الاقتصادي. وستكون الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه المخاوف الجيوسياسية ستترجم إلى رياح اقتصادية معاكسة مستدامة أو ما إذا كانت المملكة المتحدة قادرة على الصمود في وجه العاصفة.






