شبح ماضي أوبك: تذكر صدمة النفط في السبعينيات
بالنسبة للكثيرين، فإن ذكر "أزمة النفط" يستحضر صوراً حية من السبعينيات: طوابير طويلة عند محطات الوقود، والتقنين، والقلق الشديد للاقتصاد الذي كان رهينة لمنتجي النفط الأجانب. بدأت هذه الفترة الحاسمة للعصر في أكتوبر 1973، والتي أشعلتها حرب يوم الغفران. ورداً على الدعم الغربي لإسرائيل، أعلنت منظمة الدول العربية المصدرة للنفط (أوابك)، بقيادة المملكة العربية السعودية، عن فرض حظر نفطي على الولايات المتحدة وهولندا وحلفاء آخرين. كان التأثير المباشر مذهلاً: فقد تضاعفت أسعار النفط الخام، التي كانت تحوم حول 3 دولارات للبرميل، أربع مرات لتصل إلى ما يقرب من 12 دولارًا بحلول مارس 1974. وأدى هذا الارتفاع المفاجئ إلى دفع الدول الصناعية الكبرى إلى الركود، وتغذية التضخم المتفشي (ظاهرة يطلق عليها اسم "الركود التضخمي")، وإجبارها على إعادة تقييم عميق لسياسة الطاقة. وقد استجابت الحكومات بإجراءات مثل الحد الأقصى للسرعة الوطنية في الولايات المتحدة وهو 55 ميلاً في الساعة. الحفاظ على الوقود، وتم الضغط على شركات صناعة السيارات لتطوير مركبات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود، مما أدى إلى إدخال معايير متوسط الاقتصاد في استهلاك الوقود للشركات (CAFE). حفزت الأزمة أيضًا الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة وإنشاء احتياطيات بترولية استراتيجية، مما أدى إلى تغيير جذري في مبادئ أمن الطاقة العالمية.
رقعة شطرنج جيوسياسية متغيرة: مشهد الطاقة اليوم
وبالتقدم سريعًا إلى اليوم، وبينما شهدت أسواق الطاقة العالمية مرة أخرى تقلبات كبيرة - لا سيما مع ارتفاع أسعار خام برنت إلى ما يزيد عن 120 دولارًا للبرميل في أوائل عام 2022 بعد الغزو الروسي لأوكرانيا - يؤكد الخبراء أن الديناميكيات الأساسية تختلف بشكل كبير منذ السبعينيات. وفي حين تظل التوترات الجيوسياسية عاملاً قوياً، فإن المشهد الحالي لا يتحدد من خلال كارتل موحد يفرض حظراً شاملاً بنفس الطريقة. وبدلاً من ذلك، تعد تحركات الأسعار اليوم عبارة عن تفاعل معقد بين العوامل: عودة الطلب بعد الوباء، واضطرابات سلسلة التوريد، والعقوبات المفروضة على المنتجين الرئيسيين مثل روسيا، وقرارات الإنتاج الإستراتيجية من قبل دول أوبك +.
على عكس السبعينيات، حيث كان العالم يعتمد بشكل كامل تقريبًا على النفط لأغراض النقل وجزء كبير من الطاقة الصناعية، فإن مزيج الطاقة اليوم أكثر تنوعًا. وعلاوة على ذلك، اكتسب الاقتصاد العالمي قدراً أعظم من المرونة والقدرة على التكيف مع صدمات الأسعار، بعد أن نجا من دورات عديدة من الازدهار والكساد منذ القرن الماضي. ويشهد قطاع السيارات، على وجه الخصوص، تحولاً لم يكن من الممكن تصوره قبل خمسة عقود من الزمن.
الثورة الخضراء: متغير جديد
ولعل الفارق الأكثر أهمية بين السبعينيات واليوم هو التحول العالمي المتسارع نحو الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية. في عام 1973، كانت الألواح الشمسية وتوربينات الرياح من التقنيات الناشئة، وكانت فكرة السيارة الكهربائية التي تحل محل السيارة التي تعمل بالبنزين محصورة إلى حد كبير في الخيال العلمي. اليوم، أفادت وكالة الطاقة الدولية (IEA) أن مبيعات السيارات الكهربائية العالمية تجاوزت 10 ملايين في عام 2022، مع توقعات باستمرار النمو المتسارع. يؤثر هذا التحول بشكل مباشر على الطلب على النفط، حيث أن كل سيارة كهربائية يتم بيعها تزيح مئات الجالونات من استهلاك البنزين طوال عمرها.
علاوة على ذلك، أصبحت مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أكثر تنافسية من حيث التكلفة، مما يؤدي إلى زيادة حصتها في شبكات الكهرباء في جميع أنحاء العالم بسرعة. ويعني هذا التنويع أنه على الرغم من أن النفط لا يزال بالغ الأهمية، إلا أن هيمنته تواجه تحديًا من خلال مجموعة واسعة من خيارات الطاقة. ويشكل هذا الاتجاه تحوطًا استراتيجيًا ضد هذا النوع من الضعف السلعي الفردي الذي شهدناه في السبعينيات، على الرغم من أنه يقدم تحديات جديدة تتعلق بسلاسل توريد المعادن المهمة والبنية التحتية للشبكات.
ما وراء البرميل: تحول أوسع للطاقة
لا تتعلق تحديات الطاقة اليوم فقط بسعر النفط الخام أو توفره؛ فهي ترتبط ارتباطًا جوهريًا بحتمية التخفيف من آثار تغير المناخ. تعمل الالتزامات العالمية بموجب اتفاق باريس والأهداف الوطنية لخفض الكربون إلى الصفر على دفع استثمارات غير مسبوقة في إزالة الكربون في جميع القطاعات، بما في ذلك النقل. وهذا يعني أنه في حين أن الارتفاعات المؤقتة في أسعار النفط يمكن أن تسبب إزعاجا اقتصاديا، فإن المسار الطويل الأجل يتجه نحو الحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري، وليس مجرد تأمين المزيد منه.
على سبيل المثال، لا تقوم شركات صناعة السيارات، على سبيل المثال، ببناء محركات احتراق داخلي أكثر كفاءة في استهلاك الوقود؛ إنهم يستثمرون المليارات في تطوير تكنولوجيا البطاريات وشبكات الشحن ومنصات السيارات الكهربائية الجديدة تمامًا. ويمثل هذا تغييرًا نظاميًا أساسيًا، حيث ينتقل من مجرد الحفاظ على الطاقة إلى تحول الطاقة التحويلية. في حين أن أزمة السبعينيات كانت في المقام الأول بمثابة صدمة العرض التي تتطلب الحفاظ والتنويع الفوري ضمن الأطر القائمة، فإن الوضع اليوم هو جزء من محور عالمي متعمد نحو مستقبل الطاقة المستدامة، مما يجعل المقارنة المباشرة بالماضي تبسيطًا مفرطًا.






